عين القضاة
مقدمة 5
شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان
الواصلين . وقد عمّ الضلال جميع الخلق إلّا من عصمه اللّه بفضله وكرمه حتى اهتدى إلى الصراط المستقيم والنهج القويم . واللّه - عز وجل - يعيذنا من الاغترار بلا مع السراب في المسارب ، ويعصمنا في الطريق عن القواطع المضلة حتى يرد بنا أعذب المشارب إنه على كلّ شئ قدير . أجل وممّا ضل فيه فحول العلماء الحذّاق من أهل النظر حكمهم بأن حصول العلم بذات اللّه وصفاته من طريق التعلم ، هو غاية السعادات ومنتهى الدرجات ؛ وهذا جهل عظيم قد استولى على الأكثرين من المتبحرين في العلم والواصلين ، فضلا عمن هو بعد في السلوك . ومن ظنّ أنّ العلم بذات المعشوق وصفاته عين الوصول إليه فقد سحب الضلال ذيله عليه ، ومن صار إلى أنّ الوقوع في مخلب السبع الضاري وأنّ العلم بالوقوع واحد ، فهو في مهواة بعيدة من الجهل ؛ وهذا مثل هؤلاء القوم في اغترارهم بظنونهم الفاسدة وآرائهم المتناقضة . على أنّ الوصول إلى ما يدّعونه من العلم المشار إليه عزيز جدا إذ لا يتفق ذلك إلّا على الندور ولبعض الأشخاص في آحاد الأعصار . فلمّا رأيت الأمر على ذلك ورأيت نفسي مليّة بالقيام على هذا المشكل وكشف القناع عن وجه الحق فيه ، صمّمت عزمي على إملاء هذه الفصول ليتّخذها الطالب ذخرا في طريق العلم ومسالكه حتى يتيسّر له النجاة من مهالكه . فمن زاحم العلماء بركبتيه لطلب العلم ولم يعتقد أنّ وراء مقصده مقاصد كثيرة ، زلّ قدمه وكثر ندمه وعظم زلله وظهر ، حيث لا ينفعه خطأه وخطله . وهذا لإنّ الغالب على من اعتقد أنه وصل إلى مقصده وأحرز في العلم قصب السبق ، وقف به الطلب ولم يكن في نفسه تشوّق إلى ما وراء ذلك ؛